أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

232

العقد الفريد

وأوصى رجل في زمن هشام بمال في فك سبيّة من أرض العدو ، فطلبت فلم توجد ، احتراسا منه للثغر ؛ واستنقاذا لأهل السبي . الحكم بن هشام ثم ولي الخلافة الحكم بن هشام في صفر سنة ثمانين ومائة ؛ وكانت ولايته ستا وعشرين سنة وإحدى عشر شهرا . ومات يوم الخميس لثلاث بقين من ذي الحجة سنة ست ومائتين وهو ابن اثنتين وخمسين سنة . وكانت فيه بطالة إلا أنه كان شجاع النفس ، باسط الكف ، عظيم العفة متخيرا لأهل عمله ولأحكام رعيته ، أورع من يقدر عليه وأفضلهم ، فيسلّطهم على نفسه ، فضلا عن ولده وسائر خاصته . وكان له قاض قد كفاه أمور رعيته ، بفضله وعدله وورعه وزهده ، فمرض مرضا شديدا ، واغتم له الحكم غما شديدا ؛ فذكر يزيد فتاه : أنه أرق يوما وليلة وبعد عنه نومه وجعل يتململ على فراشه ، فقلت : أصلح اللّه الأمير ، إني أراك متململا وقد زال النوم عنك ، فلم أدر ما عرض لك ! قال : ويحك ، إني سمعت نائحة هذه الليلة ، وقاضينا مريض ، فما أراه إلا قد قضى نحبه ، وأين لنا بمثله ؟ ومن يقوم للرعية مقامه ؟ ثم إن القاضي مات ، واستقضى الحكم بعده سعيد بن بشير ؛ فكان أقصد الناس إلى الحق ، وآخذهم بعدل ، وأبعدهم من هوى ، وأنقذهم لحكم : رفع إليه رجل من أهل كورة جيان أن عاملا للحكم اغتصبه جارية وعمل في تصييرها إلى الحكم ، فوقعت من قلبه كل موقع ، وأن الرجل أثبت أمره عند القاضي ، وأتاه ببينة « 1 » يشهدون على معرفة ما تظلّم منه ، وعلى عين الجارية ومعرفتهم بها ، وأوجب البينة أن تحضر الجارية ؛ فاستأذن القاضي على الحكم ، فأذن له فلما دخل عليه قال : إنه لا يتم عدل في العامة دون إفاضته في الخاصة . وحكى له أمر الجارية ،

--> ( 1 ) البيّنة : الحجة الواضحة ، وقد يريد الشهود .